|
1) تَدِبِّينَ دَبَّ الْوَهْنِ فِي جِسْمِيَ الْفَانِي |
وَ أَجْرِي حَثِيثاً خَلْفَ نَعْشِي وَ أَكْفَانِي |
|
2) فَأجْتَازُ عُمْرِي رَاكِضاً مُتَعَثِّراً |
بِأَنْقَاضِ آمَالِي وَ أَشْبَاحِ أَحْزَانِي |
|
3) وَ أَبْنِي قُصُوراً مِنْ هَبَاءٍ وَ أَشْتَكِي |
إِذَا عَبَثَتْ كَفُّ الزَّمَانِ بِبُنْيَانِي |
|
4) فَفِي كُلِّ يَوْمِ لِي حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ |
وَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَكْرَةُ الْمَوْتِ تَغْشَانِي |
|
5) وَ لَولَا ضَبَابُ الشَّكِّ يَا دُودَةَ الثَّرَى |
لَكُنْتُ أُلَاقِي فِي دَبِيبِكِ إِيمَانِي |
|
6) فَأَتْرُك أَفْكَارِي تُذِيعُ غُرُورَهَا |
وَ أَتْرُكَ أَحْزَانِي تُكَفِّنُ أَحْزَانِي |
|
7) وَ أَزْحَفَ فِي عَيْشِي نَظِيرَكِ جَاهِلاً |
دَوَاعِيَ وَجْدِي أَوْ بَوَاعِثَ وِجْدَانِي |
|
8) وَ مُسْتَسْلِماً فِي كُلِّ أَمْرٍ وَ حَالَةٍ |
لِحِكْمَةِ رَبِّي لَا لِأَحْكَامِ إِنْسَانِ |
|
9) فَهَا أَنْتِ عَمْيَاءُ يَقُودُكِ مُبْصِرٌ |
وَ أَمْشِي بَصِيراً فِي مَسَالِك عُمْيَانِ |
|
10) لَكِ الْأَرْضُ مَهْدٌ وَ السَّمَاءُ مِظَلَّةٌ |
وَ لِي فِيهِمَا مِنْ ضَيْقِ فِكْرِي سِجْنَانِ |
|
11) لَئِنْ ضَاقَتَا بِي لَمْ تَضِيقَا بِحَاجَتِي |
وَ لَكِنْ بِجَهْلِي وَ ادِّعَائِي بِعِرْفَانِي |
|
12) فَفِي دَاخِلِي ضِدَّانِ : قَلْبٌ مُسَلِّمٌ |
وَ فِكْرٌ عَنِيدٌ بِالتَّسَاؤُلِ أَضْنَانِي |
|
13) تَوَهَّمَ أَنَّ الْكَوْنَ سِرٌّ وَ أَنَّهُ |
يُنَالُ بِبَحْثٍ أَوْ يُبَاحُ بِبُرْهَانِ |
|
14) فَرَاحَ يَجُوبُ الْأَرْضَ وَ الْجَوَّ وَ السَّمَا |
يُسَائِلُ عَنْ قَاصٍ وَ يَبْحَثُ عَنْ دَانِ |
|
15) وَ كُنْتُ قَصِيداً قَبْلَ ذَلِكَ كَامِلاً |
فَضَعْضَعَ مَا بِي مِنْ مَعَانٍ وَ أَوْزَانِ |
|
16) لَعمْرُكِ ، يَا أُخْتَاهُ ، مَا فِي حَيَاتِنَا |
مَرَاتِبُ قَدْرٍ أَوْ تَفَاوُتُ أَثْمَانِ |
|
17) مَظَاهِرُهَا فِي الْكَوْنِ تَبْدُو لِنَاظِرٍ |
كَثِيرَةَ أَشْكَالٍ عَدِيدَةَ أَلْوَانِ |
|
18) وَ مَا نَاشِدٌ أَسْرَارَهَا ، وَ هْوَ كَشْفُهَا |
سِوَى مُشْتَرٍ بِالْمَاءِ حُرْقَةَ عَطْشَانِ |
|
ميخائيل نُعَيْمَة ، هَمْسُ الْجُفُون ، دَار صادر ، ط6 ، بيروت ، 1968 ، ص. 83 و ما يليها (بتصرف) |
|
ميخائيل نُعَيْمَة ( 1898_ 1989) شاعر لبناني ، من مؤسسي الرابطة القلمية بمعية جبران خليل جبران بأمريكا الشمالية ، ذو ثقافة متنوعة و متعددة ، من أبرز أعماله : الغربال ، في النقد ، و همس الجفون في الشعر . |
المنجز
1) بناء إشكالية الموضوع : يتم تأطير الخطاب الشعري الذاتي الذي تنتمي له قصيدة إلى دودة تاريخيا و أدبيا أولا، وبعدها نقدم أسماء ثلاثة شعراء بارزين في الخطاب الشعري الذاتي ، ثم نتوقف عند صاحب النص من خلال تقديم تعريف موجز عن حياته الأدبية و النقدية ، و ننهي الإشكالية بثلاثة أسئلة مناسبة لما سيأتي في الفهم و التحليل و التركيب ، وهي كالآتي: ما مضامين القصيدة ؟ و ما خصائصها الفنية ؟ و ما مدى تمثيلها للخطاب الشعري الذاتي ؟
مثال تطبيقي لبناء إشكالية الموضوع
تظافرت مجموعة من العوامل لتشكل مهد ميلاد خطاب سؤال الذات الشعري ، الذي تمرد على التقليد و توخى التجديد في الشعر العربي ما بين الحربين . وكان أبرز هذه العوامل ظهور الملامح الأولى للطبقة البورجوازية في بعض الأقطار العربية ، وميل فئة الشباب المثقفة إلى الانفتاح على ثقافة الآخرالشعرية من أجل تجاوز الثقافة المحلية التقليدية، و رغبة الفرد في التحرر من قيودها . و كل هذا وغيره دفع شعراء الديوان بمصر إلى الثورة على الشعر الإحيائي باعتباره اجترارا ، و إلى المناداة ، تنظيرا وإبداعا ، بجعل الشعر تعبيرا عن ذات الشاعر وأحاسيسه الفردية بعيدا عن كل ارتباط خارجي - اجتماعيا كان أو سياسيا . و قد غذى هذا التصور التجديدي للشعر انفتاح مجموعة من الشعراء على التجارب الشعرية الأجنبية . و من بين هؤلاء الشعراء ، الذين نادوا بتجاوز الذاكرة الشعرية نحو جعل الذات محورا للشعر ، نذكر ، على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر المصري عباس محمود العقاد ، و الشاعر اللبناني جبران خليل جبران ، ثم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي ، و لا ننسى الشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة الذي كان له الفضل في تأسيس الرابطة القلمية بمعية جبران خليل جبران وآخرين بديار المهجر الأمريكية ، كما ساهم في تجديد الشعر و جعله تعبيرا عن وجدان الشاعر في مجموع دواوينه ، منها همس الجفون الذي اقتبس منه نصنا الشعري "إلى دودة " ، و له كتاب نقدي قيم يواكب هذه التجربة و ينافح عنها ، عنوانه "الغربال " . فما مضامين نص إلى دودة ؟ و بما تتميز بنياته الإيقاعية و التصويرية والأسلوبية؟ وهل نجحت تجربة الشاعر ميخائيل نعيمة ، من خلال هذا النص الشعري ، في تمثل مقومات الخطاب الشعري الذاتي ؟
2) بناء فرضية قراءة النص : نستعين ببعض العتبات و المؤشرات النصية في بناء فرضية مناسبة لقراءة نص ميخائيل نعيمة إلى دودة ، مثل العنوان ، و الأبيات الشعرية الآتية : البيت الثاني ، البيت السابع ، و البيت الثاني عشر .
مثال تطبيقي لبناء فرضية القراءة
يشير العنوان إلى مرسل إليه غريب من جنس الحشرات ، دودة ، يستقبل رسالة المرسل ، الذي هو الشاعر، من جنس البشر ، وموضوع هذه الرسالة ، حسب الأبيات الآتية : الثاني ، السابع ، والثاني عشر هو تعبير الشاعر عما يجري بذاته من تقلبات طوال عمره ، سجين الجهل بأسباب وجوده ، يتمزق بين قلب مؤمن و فكر مرتاب . وعليه ، نفترض أن مضمون القصيدة قد يكون بوح الشاعر إلى دودة بما تعرفه ذاته من تقلبات و حيرة بين ضفتي الإيمان و الشك .
3) تكثيف مضامين النص الشعري في فقرة منسجمة، بعد قراءته قراءة متأنية وتقسيمه إلى مقاطع شعرية دالة
مثال تطبيقي
يتفرع النص الشعري إلى دودة إلى أربعة مقاطع شعرية دالة ، يمتد أولها من بداية النص إلى البيت الرابع منه ، و يعبر فيها الشاعر ، مخاطبا دودة ، عما يعتمل ويجري بدواخله من تقلبات ، بين الآمال و الأحزان ، وبين الحياة و الموت طوال عمره . و في المقطع الشعري الثاني ، الذي يشغل ، نصيا ، حيز أربعة أبيات شعرية ، يبوح الشاعر عما كان متوقعا أن يعيشه لولا تجربة الشك ، التي ترتبت عن تقلبات الذات مع تقلبات الزمن . فقد كان يتطلع إلى أن يعيش عيشة الدودة القائمة على الاستسلام للحكمة الربانية لا للأحكام الإنسانية ، و ذلك بجعل دبيبها مصدر إيمانه و سبيلا إلى التخلص من أغلال الفكر و الأحزان . في حين يبدأ المقطع الثالث من البيت التاسع و ينتهي عند البيت الخامس عشر ، وهو أطول مقطع شعري في القصيدة ، يجري فيه ميخائيل نعيمة حوارا مع دودة ، فيقارن بين وضعها كحشرة تعيش في كنف الطبيعة بلا بصر، فراشها الأرض وغطاؤها السماء و محركها ، داخل هذا الفضاء الشاسع ، الرب المبصر ، و بين وضعه كإنسان ، له قلب و فكر و بصر ، يعيش الضيق داخل متاهة رغم بصره . وذلك راجع لادعائه المعرفة و البرهان على سر الكون بالبحث و التنقيب . ثم يختم الشاعر نصه ، في المقطع الشعري الأخير ، من خلال ثلاثة أبيات شعرية ، بتأمل في الوجود ، عبر هذا الحوار الذي أجراه مع أصغر الموجودات : دودة ، فيخلص إلى أن الوجود واحد متساو بين كل الموجودات ، و أن التعدد يقتصر على الأشكال والألوان فقط .
4)التحليل
* معجم النص :نركز على المهيمن من الألفاظ و العبارات داخل النص ، ثم نصنفها داخل حقل دلالي مناسب مع استنتاج طبيعة العلاقة بين الحقلين أو الحقول الدلالية .
مثال تطبيقي
يعبر معجم النص عن قلق وجودي يعيشه الشاعر ، و نميز فيه بين حقلين دلاليين . حقل دال على ذات الشاعر ، و حقل دال على الدودة . و من الألفاظ و العبارات الموجودة في النص ، و التي تنتمي إلى الحقل الدلالي الأول نجرد ما يأتي : آمال ، أحزان ، سكرة ، الشك ، إيماني ، وجداني ،عرفان ، قلب ،... أما التي تدل على حقل الدودة نذكر منها : تدبين دب ، دودة الثرى ، أنت عمياء ، الأرض ، السماء ، يقودك مبصر ، أختاه . و نستنتج أن الحقل الدلالي المهيمن في النص هو الحقل الدال على ذات الشاعر لأن هذا الأخير ينظر إلى عالم الدودة بما هو عالم خارجي من خلال عالم الداخل_ الباطن ، أي عالم الذات المسكون بقلق الوجود و الموزع بين حيرة الشك ويقين الإيمان .
** المكون الإيقاعي: نميز في المكون الإيقاعي ، أثناء التحليل ، بين إيقاع خارجي يتجسد في الوزن ، القافية ، ثم الروي ، وإيقاع داخلي يتجلى في التكرار، التوازي ، الجناس و الاشتقاق. ثم نكشف عن وظيفة كل هذه العناصر داخل النص ، موضوع درسنا .
مثال تطبيقي
من خلال التقطيع العروضي للبيت الأول من قصيدة إلى دودة كالآتي :
تَدِبِّينَ دَبَّ الْوَهْنِ فِي جِسْمِيَ الْفَانِي 💧 وَ أَجْرِي حَثِيثاً خَلْفَ نَعْشِي وَ أَكْفَانِي
بالنسبة للشطر الأول :
تَدِبِّي( //٥/٥= فَعُولُنْ ) | نَ دَبَّ الْوَهْ ( //٥/٥/٥= مَفَاعِيلُنْ )| نِ فِي جِسْ ( //٥/٥= فَعُولُنْ ) | مِيَ الْفَانِي( //٥/٥/٥= مَفَاعِيلُنْ )
بالنسبة للشطر الثاني:
وَ أَجْرِي ( //٥/٥=فَعُولُنْ ) | حَثِيثاً خَلْ ( //٥/٥/٥= مَفَاعِيلُنْ ) | فَ نَعْشِي ( //٥/٥=فَعُولُنْ) |وَ أَكْفَانِي ( //٥/٥/٥= مَفَاعِيلُنْ )
نستنتج أن الشاعر ميخائيل نعمة نظم قصيدته على البحر الطويل بقافية مطلقة ، تتحدد في نهاية البيت الأول كما يأتي : ( فَانِي=٥/٥/) و بروي النون المتحرك و المتكرر على طول نهاية القصيدة ، و عليه فالقصيدة نظمت على نظام الشطرين بروي موحد ، مما يجعلنا نتأكد أن الشاعر رغم تجاوزه المضمون التقليدي للشعر المتمثل في الأغراض ، فقد ظل متمسكا بالإيقاع الخليلي .
و من مظاهر الإيقاع الداخلي في نصنا نرصد حضور التوازي التركيبي – النحوي في البيت الرابع ، مثلا ، إذ يوجد تناظر نحوي نسبي بين الوحدات اللغوية في الشطر الأول ونظيرتها في الشطر الثاني ، كما نسجل أن هناك ، في البيت نفسه ، تناظرا دلاليا من خلال وجود تضاد ، نسبيا ، بين دلالات الوحدات اللغوية في الشطر الأول مع نظيرتها في الشطر الثاني ، و يصدق هذا على البيت التاسع كذلك . و للتوازي في هذه القصيدة وظيفة جمالية تبرز التجانس الموسيقي بين المكونات الصوتية داخل النص ،و أخرى دلالية تتجلى في ترسيخ حالة التقلب التي يكابدها الشاعر بدواخله. و ينضاف إلى التوازي ، إيقاعيا، التكرار ، إذ نلاحظ تكرار صائت الكسرة الذي يدل على انكسار نفسية الشاعر الحائرة ، و صامت النون ، قينة الحروف في اللغة العربية ، الذي يوحي بالطابع الغنائي _الذاتي الذي يطبع مضامين نص ميخائيل نعيمة ، المتمحورة حول القلق الوجودي. وهذا ما يؤكده تكرار كلمات من قبيل : أحزاني ، الأرض ،الكون ، حياة ،... وكذلك عبارات مثل : ففي كل يوم ، أترك . كما ساهم الاشتقاق في ترسيخ مضامين القصيدة وخلق جرس موسيقي بها مثل :( تدبين ، دب) ، ( مبصر ، بصيرا ) . زيادة على تكرار صيغة منتهى الجموع ( أفعال : أحزان ، أكفان ، أشجان ، ...) .
***مكون الصورة الشعرية :تعبر الصورة الشعرية عن الجانب النفسي و الخيالي في التجربة الشعرية للشاعر داخل النص، و ذلك من خلال بنائه علاقات جديدة بين الكلمات ضمن سياق بياني خاص ينتج دلالات جديدة اعتمادا على التشبيه و الاستعارة لوجود علاقة مشابهة بين طرفي الصورة ، و استخداما للمجاز و الكناية لوجود علاقة مجاورة . فحينما تصور ما هو نفسي في التجربة الشعرية، تكون وظيفة الصورة تعبيرية ، في حين تصبح لها وظيفة جمالية لما يلجأ إليها الشاعر متوخيا تحسين و تزيين عباراته اللغوية ، متجاوزا البسيط و المألوف نحو المعقد و الغريب منها . فلنستخرج إذن الصور الشعرية الجزئية المكونة للصورة الشعرية الكلية التي هي النص كله في تجربة ميخائيل نعيمة أولا ، ثم نفككها بهدف إبراز طرفيها و العلاقة الجامعة بينهما ، لنحدد فيما بعد نوعها و وظيفتها في نص إلى دودة .
مثال تطبيقي
إذا كانت القصيدة التقليدية الإحيائية موسومة بالاستطراد بما هو تعدد في المعاني ، فإن القصيدة التجديدية الذاتية تطبعها الوحدة الموضوعية ، لكونها تدور حول ذات الشاعر باعتبارها الموضوع الواحد . و هذا الموضوع يحول الصورة الشعرية إلى صورة كلية في خطاب سؤال الذات ، كما في نص إلى دودة ، حيث تصور الصورة الشعرية عالم الذات المتقلبة بين التعثر و الحيرة والاستسلام ، والشك والإيمان . و من الصور الشعرية التي تعكس هذه التقلبات ، على سبيل المثال لا الحصر ، قوله الشعري في البيتين الثاني و الثالث . إذ شبه العمر بالطريق الذي لا يخلو لسالكه ركضا من عوائق و عقبات تجعله يتعثر و يسقط بين اليأس والأحزان المرعبة . فقد اكتفى ميخائيل نعيمة ، في هذه الصورة ، بذكر المشبه ( العمر ، وأنقاض آمالي ، و أشباح أحزاني ) وحذف المشبه به ( الطريق ، عوائق ، عقبات ) لوجود قرينة لفظية ( اجتاز)، و عليه فالصورة استعارة مكنية ، تعبر عن حالة الانكسار و التعثر التي تعرفها ذات الشاعر ، وهو يسير على درب الوجود ( من الحياة نحو الموت ) ، وعدوه في هذا الطريق الوعر هو الزمان الغادر ، الذي شبهه بالإنسان الظالم، و قد حذف المشبه به ( الإنسان ) ، وأبقى على قرينة (عبثت كف )، الكف التي تبطش بأحلامه و تعبث بأمانيه . كما عبر عن حالة تماهي الذات مع حالة الدودة ، في عالم خال من الشك ، في البيت السادس باستعارة مكنية مشبها فيها أفكاره بالإنسان الذي ينشر بين الآخرين غروره ، و قد أنهى الشاعر نصه بتشبيه الباحث عن أسرار الحياة بمن يشتري لهفة العطش بالماء ، تعبيرا منه عن استحالة إدراك كنه الوجود .
****المكون اللغوي الأسلوبي:ينصب التحليل في هذه الخطوة على لغة النص ، نحويا و بلاغيا ، للكشف عن دلالاتها و وظائفها في النص.
مثال تطبيقي
تميزت لغة النص بتجاوز جزالة الألفاظ و صلابة التعابير ، كما لاحظنا مع لغة الشاعر الإحيائي محمود سامي البارودي ، مما جعلها لغة سهلة ، ذات حمولة ذاتية نفسية وجدانية تعكس التجربة الشعرية بصدق ، مثلما هو الأمر مع الألفاظ الآتية : الوهن ،آمالي ، أحزاني ، سكرة الموت ، الشك ،إيماني ، وجد ، وجداني . و توحي هيمنة ضمير المتكلم المفرد بحضور ذات الشاعر بقوة داخل النص ، ونمثل لهذا بما يأتي : ( جسمي ،أكفاني ، عمري ،آمالي ، ببنياني ، لي ، إيماني ..) . و تتميز ذات الشاعر بالحركية و عدم الثبات على حال ، و هذا ما تدل عليه كثرة الجمل الفعلية في النص ، تلك الحركية التي ترمز إلى القلق مع الشك والارتياب بدل السكينة التي تحصل مع الإيمان . و نلاحظ - بلاغيا – أن الغلبة شبه المطلقة للجمل الخبرية ، مما يعني أن الشاعر جعل من الدودة وسيطا يبوح لنا ، من خلاله، بما يجري بباطنه من تقلب و شك و ارتياب تجاه الوجود .
5)التركيب و التقويم :نقوم في هذه الخطوة باستجماع عناصر الفهم و التحليل لبيان مقصدية الشاعر ، و كيف عبر عنها فنيا في النص ، مع اختبار و تمحيص فرضية القراءة . ثم نبين مدى تمثيل نصنا لخطاب سؤال الذات مع الختم بإبداء الرأي الشخصي مع توكيده بما يناسب من الحجج و الأدلة .
مثال تطبيقي
يتوخى الشاعر الوجداني ميخائيل نعيمة في نصه
التعبير عن نظرته الفلسفية تجاه الوجود بما هو لغز معقد يصعب فكه و الكشف عن
أسراره بالعلم و المعرفة الإنسانيين ، متخذا من الدودة رمز الطبيعة ، وسيطا
يبث من خلاله قلقه الوجودي . و للتعبير عن مقصديته نظم قصيدته على البحر الطويل
بروي موحد مع إيقاع داخلي له وقع قوي على المتلقي . كما ساهمت الصورة الشعرية في
عكس العالم الداخلي للشاعر بكل عواصفه الارتيابية ، هذا فضلا عن اللغة ،
البعيدة عن التعقيد و المتشبعة بما هو ذاتي وجداني ، التي ساعدت الشاعر على
التعبير عن مقصديته . وبهذا تصح فرضية قراءتنا . و من مقومات هذا النص التي تجعله
يندرج حقا ضمن خطاب سؤال الذات الشعري كونه جعل من ذات الشاعر محورا له ، بعيدا عن
الأغراض الشعرية التقليدية ، كما ساد مع الخطاب الشعري الإحيائي .
( التقويم يبقى لكم/ لكن شرط أن تعبر-ي عن رأيك مع توكيده بما يناسب ) .
انتهى / بالتوفيق


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق